منذُ أن بدأتِ الجائحة لم يؤلمني شيءٌ أكثرُ من ألم "لأننا نحبُّ بعضنا لن نجتمعَ ولن نلتقي"، كان أكثرُ ما يُكسرنا هو انقطاعُ اللقاءات والتجمعات، أو اللقاء مع إجراءاتٍ احترازيَّةٍ كثيرة.
١/١٠/٢٠٢٠ مـ:
الفجرُ الذي لا يُنسى، الفجرُ الذي كُسِرَت فيه قلوبٌ كثيرة، ذلك الاتصالُ الذي لم أكُن أتوقعهُ البتة، "بيبي رية في ذمَّة الله" خبرٌ كالصاعقة، تلكَ الجدَّة الحنونة، والتي لا ترضى بأن تُرفعَ يدٌ أو يُرفعَ صوتٌ على أيٍّ من أحفادها، تلكَ الأمُ الحنون التي لم تفرِّق بين بناتها وزوجاتِ أبنائها، القلب العطوف الذي حوى الكبير والصغير. في كلِّ زاوية في البيت لها ذكرى، جدَّتي ذاتَ اليد المُعطائة واليد المُباركة التي كانت تطهو لنا ألذ الأطعمة. جدَّتي التي تشبهُ جمال الشتاء والنسيم العليل، مرَّت علينا جميعًا خفيفة كنسمةٍ باردة أتت لتؤنسنا ثمَّ رحلَت. لا يُمكننا نسيانُ أيٍّ من أفعالها، لُطفها، عَطفها، لمساتها المميزة في مُناسباتنا، هداياها التي كانت تميزها دائمًا وأبدًا، وكُلَّ الخصال الحميدة التيكانت عليها. فقدُها مؤلم، هُدم ركنٌ من أركان بيتها. اللهمَّ ارحمها واغفِر لها واجمعنا بها في الجنَّة، آمين.
١٤/١٢/٢٠٢٠ مـ:
عندَ أذانِ العشاء تقريبًا، الاتصالُ الذي كانَ كالصاعقة، والذي رددتُ عقبهُ وأنا أبكي: كيف؟ وقد كانَ بالأمسِ في تحسن ملحوظ! "خالي سعيد" في ذمَّة الله، خبرٌ حزينٌ جدًّا وفقدٌ آخرٌ موجعٌ للحدِّ الذي لا حدَّ له، رحلَ مُستشارُنا، رحلَ الذي كانَ مثالًا لتقبُّل أقدارِ الله، رحلَ الذي لم يتخذ مرضهُ عذرًا ليقصِّر في أرحامه، رحلَ الذي كان يسعى دائمًا في سدِّ احتياجِ كلِّ مُحتاج، رحلَ صاحبُ اليدِ البيضاء. رحلَ الذي أدهشني بوقفتهِ الجميلة منذُ أن علِمَ بنبأِ خطوبتي وحتى بعد انتقالِي، الحبيبُ لقلوبنا، القدوة الحسنة، المُلازمُ لزوجتهِ في السرَّاءِ والضرَّاء. غيابهُ أثقل قلوبنا، وفقدهُ أوجعنا. اللهمَّ اغفِر لهُ وارحمهُ واجمعنا بهِ في الجنَّة.
١٤/٢/٢٠٢١ مـ:
كنتُ أحادثُ أمِّي، أسألها عن حالهِ اليوم، قالت لي بأنَّه تحسن بفضلٍ من الله، قطعتُ الإتصال، فتحت مُحادثات مجموعة العائلة وقد أُرسِل فيها: "إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعون"، تعاودُ أمي الإتصال وقالت فورَ إجابتي: "إنَّا لله وإنَّا إليهِ راجعون" بابو هاشم في ذمَّة الله، أمَّاه كنتُ أطمئن عن حالتهِ قبل ثوانٍ فقط! يا الله، إنهُ الفقيدُ الثالث على التوالي، كان إنسانًا بشوش الوجه، بهيَّ الطلعة، طيبَ القلب، صاحب الرّوح المرحة، كانَت يدهُ مبسوطة للقريبِ والبعيد، هوَ الذي احتوى أبي حينما كانا جدي وجدتي بعيدين عن البلاد، هو الذي احتوى الكثير من الصغار وتربوا على يديه. نفتقدُ صباحَ العيد في منزلِه، وباحتهِ التي لنا فيها أجملَ الذكريات، فقدهُ مؤلم وشوقنا لن يُروى. البهمَّ اغفِر لهُ وارحمهُ واجمعنا بهِ في الجنَّة.
١٢/٣/٢٠٢١ مـ:
المساءُ الذي كُسر فيهِ ظهرُنا، ورحلَ عنَّا حبيبُنا وعمودُ عائلتنا، المساء الذي أظلمت فيه الدُّنيا علينا، المساءُ الذي لم يرحل معهُ جزءٌ من قلوبنا فحسب، بل رحلت قلوبنا كلها معه. "جدي حمد" في ذمَّة الله. لا أحدَ يودُّ تصديقَ الخبر، الكلُّ يطلبُ ممن حولهُ نفيَ الخبر، الكلُّ يرجو أن يكونَ حلمًا وينتظرُ الإستيقاظَ منه! هذا الرجل الشهم، الذي كافحَ منذُ صغره وسعى لتكون عائلتنا على ماهيَ عليه الآن، فالفضل يعود إليه بعد فضل الله. الرجلُ الذي استطاعَ احتواء كلَّ فردٍ في العائلة، من الصغار والكبار، الرجل الذي استطاع أن يشعر كل واحدٍ منا بأنه مميزٌعنده، الرجل الذي وفَّى وأعطى كلَّ امرىءٍ قدرَه. كلٌّ منَّا كانَ يشعرُ بأنَّه الأقربُ والأعزُّ والأحَب. الرجلُ الذي لم أرى مثل برِّه ووفائهِ لأرحامن،الرجلُ الذي يستحقُّ أن نسطر الكلمات عنه ونخرجها في كتاب حتى يعرفَ العالمُ من هو وما الذي فعله. كيف ستكون تجمعاتنا بعد اليوم؟ وقد فقدنا شخصين عزيزين في فترة متقاربة جدًّا، شخصين عزيزين كانا يقدسان اللقاءات التي تجمعنا، يحبونها، يصلون قبلَ الآخرين ويستغلون كلَّ دقيقةٍ يمكثونها بيننا. يا رب ارحم فقيد قلوبنا واغفر لهُ وارحمهُ واجمعنا بهِ في الجنَّة.
.
.
.
يا ربّ
إنَّا فقدنا أشخاصًا ذوي أثر عظيمٍ علينا في فترات متقاربة جدًّا، لا نلبثُ حتَّى يلتئم جرحنا وإذا بخبرٍ آخر يُكسرنا، اللهمَّ الطُف بعائلتي، اللهمَّ اجبُرنا جبرًا يتعجبُ منهُ أهل السماوات والأرضِ ومن فيهنّ. اللهمَّ إننا راضون بما قضيت، مؤمنين بأن الخير كلَّه بين يديك، لا نسألكَ ردَّ القضاء، ولكن نسألكَ اللطف فيه. اللهمَّ صبِّر قلوبنا واجمعنا بمن فقدنا في نعيمٍ دائمٍ غير مُنقطع. اللهمَّ لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنَّا بعدهم. تركوا لنا آمانتٍ عظيمة فأعنَّا اللهمَّ على آداء حقها.
بقلبٍ مكسور
#عفراءُ_الكنديَّة
الأثنين
١٥/مارس/٢٠٢١ مـ
١/شعبان/١٤٤٢ هـ
١٠:٤٨ مَ
ربط الله على قلوبكم وألهمكم الصبر والسلوان وجمعكم بمن تحبون في أعالي الجنان
ردحذفاللهم آمين يا رب
حذف