الأربعاء، 6 أبريل 2016

خليَّةُ نحلْ

- قالها حبيبي عليهِ صلواتُ ربي وسلامهُ عليه: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى). أيُّ معنًى عميق تحتويهِ هذه الكلماتِ التي أنطقها اللهُ نبيَّه محمَّد؟

كثيرًا ما يتحدثُ الأصحابُ عنِ الشُّعور الذي يكتنزهُم ويُذكرهم لاحقًا بالحديثِ أعلاه، وكثيرًا ما تسمعُ عن مواطنِ فرحٍ قد يذكرُ فيهِ المرءُ لصاحبه ويقول لهُ: (سبحانَ الله، رغمَ أنَّ الأمرَ يخصك أنت، إلا أنني شعرتُ بأنَّ فرحتي تساوي أضعافَ فرحتك). وفي مواطنَ أخرى كالتي تختصُّ بالأحزان والآلام مثلًا، قد تسمعُ أحدهُم يقولُ لرفيقهِ أو صديقه: (أتدري حينما قلتَ لي بالأمسِ قبل نومك عن مرضك، ما استطعتُ النوم إطلاقًا وكأنني المُصاب). شعورُ الفرح، شعور الودّ، شعور الرحمةِ، وشعور التعاطُف كالمرضِ المُعدي في صفته، ترى تلكَ المشاعر تنتقلُ بين الأفرادِ مهما كانتِ الأسباب والسُبل وكذا شعورُ الحزنِ والألم. لو كانَ ذلكَ يحدثُ بينَ الأصحاب الذين تربطُهم علاقةٌ أخويَّة، فكيفَ بانتقال تلكَ المشاعرِ بين أولئكَ الذين تربطُهم رابطةُ دم؟ أوليسَ حريٌّ أن تكون تلك المشاعرُ حينها أعمق؟

تمامًا هذا ما شعرتُ بهِ في يومِ الاثنين -بتاريخِ 25\جمادي الثاني\1437 هـ، 4\4\2016مـ-، وهذا ما جعلَ النبضُ فيَّ يزيدُ من حبِّ عائلتي. "خليَّةُ نحلٍ" لعلها الصفةُ المناسبة التي أستطيعُ وصفَ عائلتِي بها حينما بلَغنا الخبرُ الذي يخصنا جميعًا دونَ أيِّ استثناء.

حينما يصلك نبأُ إصابةِ أحدهم بأيِّ أمرٍ كان، ولو كان جرحًا بسيطًا بسببِ تقطيعِ البطاطا، مؤكدٌ أنكَ ستشعرُ بوخزةِ ألمٍ تنتابك ويكأنكَ تشعرُ بالألم مع قريبك. ماذا إن وصلَ إليك نبأُ إصابةٍ خطيرة لأحد المقربين إلى قلبك؟ سيكونُ الدُّعاء حتمًا هوَ أولُ ما تستطيعُ الردّ والتعبيرَ به. هذا ما أصابنا ولم يصبنا إلا خيرًا قد كتبهُ الله لنا وعلَّمنا به. ابتداءً من استعداداتِ وضعِ جدول المقيمين خلالَ الفترةِ المتوقعة لمكوثِ حبيبنا في المشفى لتلقي العلاج، ثمَّ لجلسةِ الدعاءِ التي آمنَّا أن لا شيءَ يمكنُ أن يكونَ العونَ الأكيد لنا غير اللجوء إلى الله تعالى إلى أن وصلَ اليوم الموعود الذي انشغلَ فيه كلٌّ منَّا بالدُّعاء والاختلاءِ بنفسه بعيدًا عن أيّ أحد ممسكًا بهاتفهِ طوالَ الوقت منتظرًا آخر الأنباء والمستجدات من الطبيبةِ الجليلة التي ما انفكّت تبذلُ كلَّ ما بوسعها لتطمئنَ قلوبَ محبيها -طمئنَ الله قلبها وأراحها-.

يومٌ عصيب ابتدأَ منذُ بلوغِ نبأ دخولهِ غرفةِ العمليات في تمامِ السابعة والنصف صباحًا حتَّى تمام السادسةِ والربعِ من مساء ذلكَ اليوم. لمَ تذكرتُ الحديثَ في الأعلى تحديدًا؟ تذكرتهُ حينما كنتُ أرى حركةَ أمي في المنزل ذهابًا وإيابًا وهي تنتظرُ خبر الفرجْ وتوصينا بمراقبةِ الهاتف حالَ إنشغالها أو قراءتها -رعاها الله-، وكذا حينما كنتُ أرى الرسائلَ المتوافدة والتوترُ بادٍ على حروفِ الجميع. الصغارُ والكبار، والشيبةُ والشباب، جميعُهم في ذلكَ اليوم كان دعاؤهُم واحد ولسانُ حالهِم يحكي عن الأمر ذاته حتَّى أتتنا البُشرى التي مجردَ وصولها مسحت على قلوبنا جميعًا. لم ينتهي الأمرُ بعد، فخليَّة النحلِ لم تزل تعمل بالإقامةِ والاستعدادِ تمامًا في حالةِ الطلب والاحتياج.

- كيفَ وصلتُ إلى هُنا؟ لستُ أدري حقيقةً وإنِّي متيقنةٌ من ركاكةِ الكلمات في الأعلى. لكن جلَّ ما أُريد هو تخليدُ ذلكَ الشُّعور العميقِ بأنِ الحمدُ لله الذي جعلني فردًا منكُم وتربطني بكُم رابطةُ دم.

عائلتي أعيذكُم بالله فردًا فردًا من همزاتِ الشياطينِ ولمزاته، وأعيذكُم بالله من أيِّ همٍّ أو حزنٍ يلامسُ شغافَ قلوبكم.
اسألُ الله الودود أن يجعل الودَّ بيننا فيهِ ولأجلهِ أبدًا واسألهُ تعالى أن يُعيذنا بكلماتهِ التامَّة من كلِّ عينٍ لامَّة ومن كلِّ قلبٍ تخالطهُ ذرَّة مرض.

جدُّنا\ خالُنا\ عمُّنا .. حمدًا للهِ على سلامتكَ ألفًا، حمدًا لله على إشراقةِ ابتسامتكَ على محيَّاك. اسألُ الله العظيم ربَّ العرشِ العظيم أن يتمَّ عليكَ عافيتكَ وأن يباركَ في عمركَ ويُمتعنا بصحبتك أبدًا. قرَّ اللهُ أعيننا بتمامِ شفاءكَ عاجلًا غير آجل.

.
.
إلى عائلتي
بكلِّ الحبّ والودّ
#عفراءُ_الكنديَّة
27\جمادي الثاني\1427 هـ
6\4\2016 مـ
10:14م
الاربعاء.

هناك 4 تعليقات:

  1. عافا الله مريضكم و أمده بالعافية و العمر المديد، أحرف عذبة، نقية و صادِقة.
    سلمتِ عفراء و يلِمَ حرفكِ، نبضكِ و مداد فكركِ.
    ❤️❤️

    ردحذف
    الردود
    1. اللهمَّ آمين يا ربّ، وجميعَ مرضى المسلمين.
      بعضٌ مما عندكُم :")
      سلمكِ الله :")
      شكرًا لكِ، أسعدكِ الله.

      حذف
  2. ليسَ هنالكَ داعٍ في كل مرة أن تقللي من شأن حروفك يا عفراء, فإنكَ واللهِ تملكين من الفصاحة ما أغبطكِ عليها.
    حفظَ الله عائلتكم و كل عزيزٍ لكم.

    ردحذف
    الردود
    1. تنبيهٌ مهم. شكرًا لك. الحمد لله، "هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر". اللهم آمين يا رب وإياكم.

      حذف