السبت، 5 نوفمبر 2016

مُذكِّرات طالبة هندسة مدنيَّة (١)

لطالما قالوا لي: كلَّ مرحلةٍ جديدة تنتقلينَ إليها تكونُ أصعبَ من التي قبلها. تخرجتُ من الثانويَّة بفضلٍ من الله، بدأتُ بعدها السنة التأسيسية، وكانت جميلةً بكلِّ تفاصيلها دونَ صعوباتٍ تذكرُ غير الاستراحات الطويلةِ بين المحاضرات. بعدها، بدأتُ السنة العامّة والتي تسبقُ سنةَ التخصص، وقيل لي بأنها مرحلةٌ صعبة تحتاجُ إلى جهدٍ كبير كي أجتازها بامتياز، لكنها كانت مرحلةً يسيرةً بفضلٍ من الله، وأتى اليوم الذي أُعلنَ فيهِ بأنني أصبحتُ طالبة هندسة مدنيَّة، وقيل لي ما قيلَ في السابق ستكونُ هذه المرحلةُ صعبةً أيضًا. بدأتها برحابةِ صدرٍ غير آبهةٍ بما قيل، ففي كلّ مرة أسمعُ كلامًا وأرى ما يخالفُ ما سمعت. اعتدتُ منذ السابق أن أكونَ صمَّاء حينما يتحدثُ المحبطون، وأن أمضيَ في طريقي بفكرِي لا بفكرِ غيري. بعدَ أيَّام من المضيّ في رحابِ تخصصي بدأتُ شيئًا فشيئًا أشعرُ بصعوبةٍ خفيَّة، صعوبة غيرِ ظاهرةٍ للعيان، ويكأنها أمرٌ معنويٌّ داخليّ. مضيتُ محاولةً عدمَ إيتاءِ تلكَ المحسوساتِ أي فرصةٍ لتثبت وجودها.

مضتِ الأيامُ واستشففتُ أنَّ الصعوبة التي تكمنُ في هذه المرحلة هيَ أنَّ الموادَ التي بدأت بدراستها لم تعد تشبه المواد التي كنتُ أدرسها طيلة سنوات الدراسة في المدرسة، بدأنا بالغوصِ في أعماقِ موادٍ جديدة، وبدأنا بالتعرف على جوانبَ أخرى من هذه الحياة. حينها ظننتُ أنني استوعبتُ أن الصعوبة التي يتحدثونَ عنها هي صعوبة المواد والمسميات الجديدة فما كانَ منِّي سوى محاولةِ بذل أقصى جهدٍ مع هذه المواد حتى أتآلفَ معها كي أمضي بسلام. لكنّ التحدي الكبير الذي واجهتهُ لم يكن الجهد الذي أبذله وصعوبةَ رفع الدرجات في مادة ما. التحدّي الحقيقيّ الذي أظنّ بأنه صعب، وبأنَّه أقوى تحدٍّ قد يمرُّ في الحياةِ الجامعيَّة هو البقاءُ بعيدًا جدًّا عن كل المحظوراتِ التي باتت مقبولة في المجتمع!. وأعني بذلكَ التهاونُ في طريقةِ كسبِ الدرجات. بدأتُ مرحلةً دراسية لا يهمُّ طلابها -مع الأسف الشديد- غيرَ بلوغِ المعدل التراكميّ أقصى ما يستطيعون، ولم تعد طريقةُ الوصول إلى ذلكَ المعدل بشكلٍ مشروع أمرًا مهمًّا، ولا بذل المجهودِ لنيل المبتغى هوَ الهدف! -إلا من رحمَ ربي-. يرعبُني أن أرى أماميَ كيفَ حوَّر الطلابُ مسألة الغشِّ وجعلوها سهلة كسهولةِ شرب الماء. وإن علَّقنا نلقى دائمًا صفعةً حارقة: "ترا الأستاذ يعرف أننا نقل"، "ترا أسايمنت وما عليه إلا خمس درجات ليش ما ننقل؟"، " انزين كل حد ينقل، وين الغلط لو نقلنا احنا بعد؟ ترا كل حد يسوي كذا"، وهلمَّ جرًّا.

مهلًا أخي الجامعيّ/أختي الجامعيَّة ...
الحرام يبقى حرامًا ولو اجتمع المجتمعُ على فعلهِ ولو مارسهُ وجرَّبه كلّ من حولك. عليك أن تحترس وأن لا تتهاون البتة، فكلُّ درجةٍ تكتسبها الآن ستدرجُ في المعدلِ التراكميّ، وغدًا تتوظفُ بها، وتستلمُ راتبًا نهايةَ كلّ شهر كي تصرفَ به على أهلِ بيتك. أترضى أن تعيشَ بقيَّة حياتك على نصفِ درجة كسبتها بغير وجه حقّ؟.

مهما فعلَ من حولك، تذكَّر دائمًا وأبدًا لن تقفَ يومًا كي تقول فعلتُ كذا لأنَّ فلانًا فعل. {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ}،{وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}. أنت مسؤولٌ عن نفسك، ومسؤول عن رقابةِ أفعالك، قبل أن تكون مسؤولًا عن غيركَ وعن مراقبة أفعاله.

- يا ربّ اجعلنِي فتاةَ خيرٍ وسخِّر لي من خيار خلقكَ وسخرني لخيارِ خلقكَ كي نكونَ العضدَ الأيمن لبعضنا حتَّى الختام. اللهمَّ هدايةً وثبات.

.
.
.
"هوّن عليك وكُن لآخرِ لحظة
متمسّكاً بـ الصِّدق
والحُلم النَّقي
ولا تسأل الليلَ المسافرَ كم بَقي؟!"

#عفراءُ_الكنديَّة
٥-صفر-١٤٣٨ هـ
٥/١١/٢٠١٦ مـ
السَّبت

هناك 6 تعليقات:

  1. وقتما وجدت نفسك ف صف الأغلبية فقد حان وقت التغيير ...مارك توين

    (( عندما تكون هناك الأغلبية دقق ف الأمر قبل أن تشرب من نفس الكأس معهم ))
    أنّ نٓبني مجتمع أخر يحوينا نحن فقط خيرٌ .. من أنّ نَكون إمّعة لوجهِ الحرام !


    بارك اللهُ فِ نبض الحرف الذي تتنفسين ❤️

    ردحذف
    الردود
    1. فععلًا، معك في كل كلمة.
      اللهم اهدنا وثبتنا.

      وفيكِ بارك الله 🌟

      حذف
  2. بارك الله فيكِ عفراء وثبتكِ يا رب يا رب
    فتح الله عليكِ:")

    ردحذف